إقتصاد

الضمان يحاول الوقوف مجدّداً بزيادة مساهمته للمضمونين

شكلت المؤسسات الرسمية الضامنة، التي أنشأتها الدولة بعد الاستقلال أو ورثتها عن الفرنسيين، صمام أمان صحي واجتماعي لغالبية العائلات اللبنانية، وأكبر “زبون” مموّل لجميع الاستثمارات الاستشفائية والمراكز الصحية التي انتشرت بكثافة في البقاع اللبنانية كافة.

بيد أن الإقامة في الأمان لم تكن مستدامة، فتهاوي الليرة وسقوطها إزاء الدولار، قلب حياة اللبنانيين والمقيمين في لبنان رأساً على عقب، وسقطت معها القدرة الشرائية للرواتب والأجور، ومعها سقطت معظم الخدمات الصحية والاستشفائية، التي لم يكن لها أن تصمد في ظل الدولرة الشاملة لأسعار المواد الطبية والأدوية والمستلزمات الطبية والاستشفائية.

سقط القطاع الصحي، لأن المؤسسات الضامنة سقطت، وخسرت مع انهيار الليرة جميع مدخراتها في المصارف اللبنانية، وضمرت معها قدرة مالية الدولة على تمويل استشفاء موظفيها ومتقاعديها، وبات الملايين الأربعة من اللبنانيين مكشوفي الغطاء الصحّي، والقلة الوحيدة منهم التي صمدت هي فقط موظفو الشركات الخاصة والمؤسسات الدولية الذين يقبضون بالعملة الصعبة ويحوزون تأمينات صحية قوية.

فوق ذلك ضاعت مدخرات صناديق التعاضد واحتُجزت في المصارف ومعها رؤوس أموال واحتياطات شركات التأمين التي عانت من إرباكات مع المستشفيات في تسديد الفواتير ما بين دولار فريش ولولار.

دولرة الرواتب أعادت إحياء الضمان؟

أعاد الانهيار الاقتصادي تشكيل السلوك الصحي والطبي للبنانيين، الذين عُرف عنهم إفراطهم في استعمال الخدمات الطبية، وتماديهم في استهلاك الأدوية والمتممات، حيث كانت فاتورة استيرادها تُعدّ ضخمة جداً نسبة لعدد السكان.

فتراجع النقد والمداخيل، وتعثر المؤسسات الضامنة، أدّيا إلى تشكيل مشهد مؤلم للبنانيين يتجمعون خلافاً لعاداتهم عند أبواب المستوصفات والجمعيات الخيرية، لاستجداء حاجتهم من الأدوية وخصوصاً المزمنة منها.

والمشهد عينه لا يزال يتكرر باستمرار أمام أبواب المستشفيات العاجزة عن استقبال المرضى بسبب عدم قدرة الجميع على تحمّل نفقات الاستشفاء، فالمستشفيات تسدّد جميع فواتيرها بالدولار الموجع لميزانيتها من جهة، والمريض من جهة أخرى يفتقد الدولار والقدرة على تسديده للمستشفى لنيل العناية والعلاج الذي يحتاج إليه، ليصبح المستشفى والمريض معاً، بالإضافة إلى الأمان الصحي والاجتماعي أسرى وضحايا الموت السريري لليرة ولفقدانهم – إلى جانب السيولة – دولة الرعاية التي طالما حلم وعمل اللبنانيون لها.

ولكن حالياً ومع دولرة الرواتب وبعد زيادة اشتراكات المؤسسات والشركات وعودة الانتظام الى مالية صندوق الضمان الاجتماعي، يحاول المسؤولون فيه إعادته الى سابق عهده من خلال زيادة مساهمته في الأدوية والاستشفاء بنسب معقولة.

وفي السياق، يرى رئيس مجلس إدارة الضمان الاجتماعي بالإنابة غازي يحيى في الإجراءات التي اتخذها مجلس إدارة الضمان أخيراً “فرصة لإعادة الصندوق الى وضعه الطبيعي تدريجاً وبخط تصاعدي لكل التقديمات خلال عام 2024 حسب الموارد المالية المتاحة له. هذه الإجراءات بدأت بإقرار السياسة الدوائية بعدما وافق مجلس إدارة الضمان على الدراسة المقدمة من اللجنة الفنية في الصندوق لإعادة تغطية الدواء كما كانت عليه قبل الأزمة، أي تغطية 80% من كلفة معظم الأدوية، و95% لنسبة محدودة من الأدوية”، مؤكداً أنه “بعد قرار مجلس الإدارة المتعلق بتطبيق الدراسة، بدأت الإجراءات التنفيذية إذ تعمل الإدارة على تجهيز لوائح الأدوية، وتوازياً وافق مجلس الإدارة على استخدام 35% من إيرادات صندوق فرع المرض والأمومة، لتمويل تغطية الدواء البالغة 73 مليون دولار”.

وفي انتظار إنهاء اللجنة الفنية دراستها المتعلقة بالاستشفاء ومدى قدرة الصندوق على زيادة المساهمة في فواتير المستشفيات، يؤكد يحيى أن مساهمة الضمان بدأت تتحسّن تدريجاً عبر اعتماد تفصيل الحساب الخاص بالعمل الجراحي المقطوع وتوزيع المستشفيات وفقاً لثلاث فئات، وكذلك تحديد أسعار مختلف الأعمال الجراحية المقطوعة، وتصفية ومراقبة ومحاسبة فواتير الاستشفاء المتضمنة الأعمال الطبية والجراحية المقطوعة، وفق مسلك العمل المعتمد في الصندوق.

وفي التفاصيل فقد عمّم الضمان أول من أمس لوائح الأعمال الجراحية المقطوعة على المستشفيات والمعنيين بتصفية وصرف ودفع المعاملات الاستشفائية، بحيث يدخل ضمن البدل المقطوع الخاص بالمستشفى الإقامة والأدوية والأمصال وغرفة العمليات والفحوص المخبرية والشعاعية التي تسبق عمل طبيب التخدير، بالإضافة الى CBCD, BUN, Creatinine, PT, PTT ECG, Radio thorax الاستكشافات الوظيفية للحالة المرضية التي تسهم في التشخيص الطبّي للعمل الجراحي موضوع الاستشفاء وتأكيده، كما يشمل الفحص النسيجي بعد الاستئصال والتصوير الشعاعي بعد عملية جراحة العظم، على سبيل المثال.

وعند دخول المريض بحالة طارئة إلى المستشفى واستشفائه لإجراء أيّ من الأعمال الجراحية المقطوعة، تُعتبر الاستكشافات الوظيفية التي أجريت للمريض بحالة طارئة لتأكيد الحالة المرضية موضوع العمل الجراحي مشمولة ضمن قيمة العمل الجراحي المقطوع.

أما في حال إجراء الطبيب المعالج أكثر من عمل جراحي خلال جلسة واحدة وفق البدل المقطوع يدفع للمستشفى البدل المخصّص لها عن العمل الطبي الأساسي الأعلى أجراً بشكل كامل و35% من البدل المقطوع المخصص للمستشفى لكل من الأعمال الأخرى التي يجريها الطبيب المعالج في غرفة العمليات. ففي حال إجراء عملين جراحيين خلال جلسة واحدة من قبل الطبيب المعالج، يدفع للمستشفى 100% من قيمة العمل الجراحي الأساسي الأعلى أجراً و35% من قيمة الثاني، وإذا استدعت حالة المريض إجراء عمل جراحي مقطوع جديد في جلسة أخرى، غير ناتج عن إهمال أو تقصير، يدفع للمستشفى 75% من البدل المخصص لها عن العمل الجراحي المقطوع الجديد.

في حال حدوث مضاعفات صحية خطيرة على حالة المريض، غير ناتجة عن إهمال أو تقصير، يمكن تمديد مدة استشفائه ومتابعته من قبل الجراح أو طبيب آخر ويتم الانتقال الى نظام الاستشفاء المزدوج.

الفرصة حقيقية للضمان للمحافظة على وجوده، ولكنه بحاجة الى موارد مالية إضافية، إذ يؤكد يحيى أن “مجلس الإدارة حسب المادة 36 من قانون الضمان الذي ينص على أنه عند النكبات والعجز المالي فإنه بدل زيادة الاشتراكات يمكن للدولة أن تدفع فارق العجز، وجّه كتاباً الى كل من رئيس الحكومة ووزيري العمل والمال طلبنا فيه 29 ألف مليار ليرة لعودة الضمان الى السكة، ولمسنا تجاوباً”. وأكد أن أجهزة الصندوق كافة بمؤازرة وزير العمل تعمل على إعادة النظر في حزم التقديمات الصحية وتأمين الموارد المالية لاستمرارية ملاءة الصندوق والسعي الدائم لدفع الدولة اللبنانية جميع المستحقات التي بذمّتها لصالح الصندوق ومكننة أنظمة الحماية الاجتماعية وجعلها رقمية لإعطاء كل ذي حق حقه حفاظاً على ديمومة الصندوق كصمام أمان اجتماعي يحوي تحت مظلته ثلث الشعب اللبناني.

هل من نيّة لإلغاء الضمان؟

الى ذلك وفي ظل الأزمة التي يعانيها الضمان الاجتماعي وخصوصاً في مجال التغطية الطبية والاستشفائية تقدّم عدد من النواب بمشروع قانون يرمي الى تأمين تغطية صحية واستشفائية فعلية للأجراء من خلال إتاحة خيار التأمين الخاص لفترة موقتة ومحددة.

ولكن يحيى يعتبر أن المشروع غير جدي، إذ إنه لو كان النواب الـ10 الذين تقدموا به جديين لكانوا أعدوا قانوناً معجّلاً مكرراً فيضطر المجلس النيابي للتصويت عليه، بيد أن النواب قدموا اقتراح قانون بما يعني أن أمامه مساراً طويلاً في اللجان النيابية.

وإذا قرر الأجير الانتساب الى برنامج تأمين صحي خاص عبر شركة تأمين أو صندوق تعاضد، فعليه أن يعلم خطياً المؤسسة التي ينتمي إليها أو رب العمل بموافقته الصريحة، إذ يقوم رب العمل أو المؤسسة بإبلاغ صندوق الضمان فيعفى الأجراء والمؤسسات العاملين فيها أو أرباب العمل من ذمتهم للضمان الاجتماعي عن فرع المرض والأمومة المتوجبة باستثناء الاشتراكات لتغطية المرض والأمومة التي يستفاد منها بعد التقاعد. تبقى باقي نسب الاشتراكات الواجبة للضمان مستحقة على الفرقاء.

وشبّه يحيى اقتراح استبدال الضمان بشركات التأمين الخاصة بـ”العصا والجزرة”، فإن لم يصلح الضمان نفسه من الآن حتى سنة فذلك يعني أنه لا لزوم له، لذا عليه الوقوف مجدداً كي لا يستبدل بشركات التأمين الخاصة مكانه.

المصدر – النهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى